صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

120

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )

بذلك المكيال قوله ولما كان المكيال يعرف به الكيل إلى آخره لما كانت حقيقة الميزان والمقياس وأصل معناه ما يعرف به حال ما هو من جنسه من كل باب سواء كان من الكميات أو الكيفيات أو النسب أو الإضافات أو القوى والملكات إذ ما من شيء محسوس أو معقول إلا ويفرض من جنسه واحد وكثير ولو بحسب الفرض والاعتبار فعلى هذا قاعدة كلية يصح أن يقال أنها ميزان ومكيال ليعرف حال الجزئيات المندرجة تحتها فالمنطق مكيال للأفكار يوزن به ويعرف صحيحها من فاسدها وقويها كالبرهان من ضعيفها كالخطابة والنحو أن يعرف به كيفية الأعراب والبناء والعروض ميزان يوزن به أحوال الأشعار والمسجعات من حيث مقادير كلماتها وحروفها فإذن العلم والحس أيضا كالموازين والمكائيل للمعلومات والمحسوسات إذ المراد بهما الصورة المطابقة للنية الخارجي وتلك الصورة سواء كانت للمعقولات أو للمحسوسات غير مدركة بالحس إلا أنها مما يعرف به الأشياء الخارجة التي من جنسها فهي معروفة بالذات لا بحس ولا بآلة أخرى وغيرها معروفة بها فحري أن يقال لها الميزان ومن قال إن الإنسان مكيل كل شيء فله وجهان صحيحان أحدهما أن له الحس والعلم فبالحس يدرك المحسوسات وبالعلم يدرك المعقولات وثانيهما أن الإنسان عالم صغير فيه من كل شيء أنموذج مطابق له وشرح ذلك مما يطول فبعقله يدرك المعقولات وبوهمه الموهومات وبخياله المتخيلات وبسمعه المسموعات وببصره المبصرات وهكذا بكل جزء من أجزاء نفسه وبدنه وبكل قوة من قوى عقله وحسه وطبعه يدرك نوعا من أنواع الموجودات من لدن أعلى العالم إلى أسفله وأما قوله وبالحري أن يكون العلم والحس المكيلين بالمعلوم والمحسوس وأن يكون ذلك أصلا له لكنه قد يقع أن يكال المكيال أيضا بالمكيل فوجه ذلك أن الأشياء المعلومة والمحسوسة وجودا ثابتا في أنفسها سواء علمها أو أحس بها أحد أم لا فهي الأصل في الثبوت والتحقق والعلم والحس تابعان له فإذن الأصل في الموازنة أن يكون الأشياء الخارجة هي الموازين يعرف بها حال العلوم والإدراكات لكنه قد يقع أن يعرف المكيال بالمكيل إذا اتفق أن يكون المكيال مجهولا والمكيل معروفا بوجه آخر كذلك قد حصل للإنسان صور إدراكية أولا فيعرف بها كثيرا من المجهولات ويطلع عليها بوسيلة ما عنده من الصور العلمية أو الحسية واعلم أن ما ذكره من كون المعلوم أو المحسوس أصلا والعلم والحس تابعا هو حال الإنسان في ابتداء الأمر وأما حاله في الانتهاء عند الكمال وحال غيره من النفوس العالية الفلكية فالعلم والحس هناك يكونان أصلا مقدما بالذات على المعلوم والمحسوس فإن الفلك يتخيل الأشياء أولا فيقع على حسب تصورها وكذلك الإنسان الكامل أو السعيد في النشأة الثانية يكون تصوره لكل شيء سبب وجوده والمشتهيات التي في الجنان تابع لشهوة الإنسان كما حققناه وأوضحنا سبيله في علم المعاد [ في بيان تقابل العظم والصغر والمساواة ] قوله فهكذا يجب أن يتصور الحال في مقابلة الوحدة والكثرة إلى آخره أي يجب أن يعتقد أن التقابل بينهما ليس بأمر جوهري لها بحسب الماهية بل لأمر عارض لها هو من جملة الإضافة العارضة لهما وتلك الإضافة هي المكيلية والمكيالية والعلية والمعلولية وهاهنا دقيقة وهي أنه يشبه أن يكون أصل التقابل الواقع بين الوحدة والكثرة منشؤه ما يكون في الوحدة الاتصالية ومقابلها من الانقسام وإذا انقسم واحد متصل وحصلت له كثرة مؤلفة من الوحدات فهناك وحدتان وحدة تقابلها تلك الكثرة ووحدة أخرى على نحو أخرى هي من أجزاء تلك الكثرة فالتي تقابلها ويبطل بها غير التي هي مكيالها وعلتها وجزؤها لكن المقابل أيضا لما صح أن يقع جزء الكثرة والجزء صح أن يقع مقابلا للكثرة صح إطلاق القول بأن الوحدة مقابلة للكثرة تقابل المكيال والمكيل قوله وقد يشكل من حال الأعظم والأصغر إلى آخره منشأ هذا الإشكال أن التقابل لا يقع إلا بين شيئين ونسبة التضايف لا يكون بشيء إلا بالقياس إلى واحد والشيء الواحد لا يكون له مقابلان والمضاف الواحد لا يكون له طرفان مضايفان وهاهنا وقع المساوي مقابلا لكل من الأعظم والأصغر ووقع كل من الأعظم والأصغر مقابلا للآخر وللمساوي وكذا الحال في التقدم والتأخر والمعية فظن بعضهم في دفع هذا الإشكال أنه ليس يجب حيث كان أعظم وأصغر أن يوجد بينهما مساو وهذا الظن باطل لا وجه له ولعل هذا الظان زعم أن وجود المساوي لا بد أن يتحقق بين الأعظم والأصغر فإذا لم يكن بينهما شيء كما بين الواحد والاثنين أو بين الاثنين والثلاثة فلم يكن هناك مساو ومع ذلك فإنه يوجد في المقادير المتصلة ما زعمه من المساوي كما علمته في العلم الطبيعي فالصواب أن يقال إن كل واحد من هذه الثلاثة أعني الأعظم والأصغر والمساوي له مقابل واحد أولا وبالذات ولو من جهتين وله مقابلان بالعرض من جهة واحدة فالأعظم مثلا